تفتح الأحكام الصادرة عن محكمة الجنايات الرابعة في دمشق بحق الإرهابي الفار بشار الأسد وعاطف نجيب وعدد من المسؤولين السابقين في نظام الأسد البائد مرحلة جديدة في مسار المحاسبة داخل سوريا، وتضع أمام الدولة والمجتمع اختباراً يرتبط بكيفية التعامل مع إرث عقود من الانتهاكات، وضمان حقوق الضحايا، وترسيخ سلطة القضاء باعتباره الجهة المخولة بتحديد المسؤولية وإصدار الأحكام وفق الأدلة والقانون.
وتأتي أهمية هذه الأحكام من طبيعة الملفات التي يتعامل معها القضاء، ومن مواقع الأشخاص المشمولين بها، ومن حجم الذاكرة السورية المرتبطة بالقتل والاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري وغيرها من الانتهاكات التي طالت أعداداً كبيرة من السوريين، وتركت خلفها عائلات تنتظر معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة وكشف مصير أبنائها.
وتفرض هذه المرحلة قراءة الأحكام في سياق أوسع من العقوبات الصادرة، فالقضية الأساسية التي تواجه سوريا اليوم تتعلق ببناء نموذج للمحاسبة يستطيع معالجة إرث الماضي وفق القانون، ويحمي حقوق الضحايا، ويوفر في الوقت ذاته ضمانات قضائية واضحة للمتهمين، ويمنع انتقال المجتمع من مرحلة الإفلات من العقاب إلى منطق الثأر والانتقام.
سقوط الحصانة أمام القضاء
يحمل وصول شخصيات كانت في قمة هرم السلطة والأجهزة الأمنية والعسكرية إلى دائرة المحاسبة دلالة مهمة في دولة عانى مواطنوها لعقود من ارتباط النفوذ السياسي والأمني بالحصانة من المساءلة، حيث شكلت بنية نظام الأسد البائد بيئة سمحت لمسؤولين وأجهزة بممارسة سلطات واسعة بعيداً عن الرقابة والمحاسبة الفعلية.
ويبرز الحكم الصادر بحق بشار الأسد هذه المسألة بصورة واضحة، خاصة مع تحميل المحكمة له مسؤولية الجرائم بوصفه صاحب القرار الأعلى الذي سخّر أجهزة الدولة لتنفيذها، وهو توصيف يضع مسؤولية القيادة وصناعة القرار ضمن نطاق المحاسبة، ويؤكد أن الموقع الأعلى في هرم السلطة لا يمنح صاحبه حصانة عندما تتوافر الأدلة على مسؤوليته عن الجرائم.
ويؤسس تطبيق هذا المبدأ، إذا استمر وفق قواعد موحدة على مختلف القضايا، لقاعدة ضرورية في سوريا الجديدة، تقوم على خضوع المسؤول للقانون مهما كان موقعه، وعلى ارتباط المساءلة بالفعل والأدلة والمسؤولية الشخصية، بعيداً عن النفوذ السياسي أو العسكري أو الأمني.
وتحتاج هذه القاعدة إلى الاستمرار والتحول إلى ممارسة مؤسساتية ثابتة، لأن قيمة العدالة لا تقاس بمحاكمة أسماء بارزة فقط، وإنما بقدرة النظام القضائي على تطبيق المعايير نفسها على مختلف الملفات والأشخاص، وحماية استقلال القضاء من الضغوط السياسية والمجتمعية والإعلامية.
من المحاسبة إلى بناء الثقة
تواجه الدولة السورية تحدياً يتجاوز إصدار الأحكام إلى إعادة بناء ثقة السوريين بالمؤسسات، وهي ثقة تعرضت خلال العقود الماضية لضربات عميقة نتيجة استخدام أجهزة ومؤسسات رسمية في عمليات القمع والاعتقال والتعذيب وملاحقة المعارضين.
ويشكل القضاء إحدى أهم المؤسسات القادرة على المساهمة في استعادة هذه الثقة، عندما يرى المواطن أن الاتهام يخضع للتحقيق، وأن الأدلة تعرض أمام المحكمة، وأن الشهود يُستمع إليهم، وأن الادعاء يقدم مرافعاته، وأن الدفاع يمارس حقوقه، وأن الحكم يصدر عن جهة قضائية وفق إجراءات معلنة.
وتكتسب الإجراءات هنا أهمية توازي أهمية النتائج، لأن بناء دولة القانون يحتاج إلى قضاء يستطيع إقناع المجتمع بأن الأحكام تصدر استناداً إلى ملفات وأدلة وقواعد قانونية، وليس استجابة لموقف سياسي أو رغبة شعبية أو ضغط إعلامي.
ويضع ذلك مسؤولية إضافية على مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام في التعامل مع المحاكمات، عبر احترام اختصاص القضاء، والتمييز بين المتهم والمدان، وعدم استباق الأحكام أو تحويل المحاكمات إلى ساحات للتعبئة، خصوصاً في القضايا التي تحمل شحنة عاطفية كبيرة لدى السوريين.
الضحايا في قلب المسار
يحتل الضحايا والناجون وعائلات المفقودين والمختفين قسرياً موقعاً أساسياً في أي مسار جاد للعدالة الانتقالية، إذ يرتبط مفهوم العدالة بالنسبة إلى هؤلاء بمعرفة ما حدث، ومن كان مسؤولاً عنه، وأين يوجد المفقودون، وكيف يمكن استعادة الحقوق وجبر الأضرار التي تراكمت خلال سنوات طويلة.
وتمنح المحاكمات الضحايا مساحة لرؤية المسؤولية تنتقل من شهاداتهم وذاكرتهم الشخصية إلى ملفات قضائية وأدلة وأحكام، وهو تحول مهم في تثبيت الوقائع ومنح الضحايا اعترافاً مؤسساتياً بما تعرضوا له.
ويحتاج هذا الاعتراف إلى مسارات أخرى موازية، وفي مقدمتها كشف مصير المفقودين والمختفين قسرياً، وتحديد أماكن الاحتجاز والمقابر، وحفظ الأدلة والوثائق، وتمكين العائلات من الوصول إلى المعلومات، ووضع برامج واقعية لجبر الضرر ودعم الناجين والمتضررين.
وتفرض مركزية الضحايا أيضاً التعامل معهم باعتبارهم أصحاب حقوق متنوعة، فليس جميع المتضررين ينظرون إلى العدالة من زاوية العقوبة وحدها، وقد تكون معرفة مصير ابن مفقود أو استعادة حق أو الحصول على اعتراف رسمي بالحقيقة أولوية لا تقل أهمية بالنسبة إلى عائلة عاشت سنوات من الانتظار.
المسؤولية فردية
يكتسب مبدأ المسؤولية الفردية أهمية خاصة في المجتمع السوري، بالنظر إلى الانقسامات التي عمقتها سنوات الحرب في سوريا، وما خلفته الانتهاكات من مشاعر غضب وألم وخوف داخل شرائح واسعة من المجتمع.
ويحدد القضاء المسؤولية وفق الفعل والأدلة، وبذلك يقدم حاجزاً قانونياً وأخلاقياً أمام تحويل جرائم الأفراد إلى اتهامات جماعية تطال عائلاتهم أو مناطقهم أو طوائفهم أو الجماعات التي ينتمون إليها.
ويشكل ترسيخ هذا المبدأ ضرورة للسلم الأهلي، لأن تحميل جماعة كاملة مسؤولية أفعال ارتكبها أفراد يفتح الباب أمام الثأر الجماعي ويعيد إنتاج منطق الانتهاكات بصور جديدة، فيما تسمح المحاسبة القضائية بتحديد المسؤول المباشر ومساءلته بصورة شخصية.
وتحتاج الدولة السورية إلى تثبيت هذه القاعدة في خطابها وممارساتها معاً، فالمواطن لا يتحمل مسؤولية جريمة بسبب هويته أو مكان ولادته أو انتمائه الاجتماعي، كما أن المسؤول السابق لا ينبغي أن يفلت من المحاسبة بسبب موقعه أو شبكة نفوذه أو خلفيته.
ضمانات الدفاع جزء من قوة الحكم
تكتسب حقوق الدفاع أهمية مضاعفة في محاكمات رموز نظام الأسد البائد، لأن سلامة الإجراءات تمنح الأحكام قوة قانونية ومصداقية أكبر، وتساعد على تقديم نموذج قضائي مختلف عن الممارسات التي ارتبطت بمحاكم وأجهزة النظام السابق.
ويتعين أن تتوافر للمتهمين إمكانية الدفاع عن أنفسهم وفق القانون، وأن تعرض الأدلة بطريقة تسمح بفحصها ومناقشتها، وأن تخضع الأحكام لطرق المراجعة والطعن التي يقررها النظام القضائي، وأن تستخدم المصطلحات القانونية الدقيقة في توصيف وضع كل شخص خلال مراحل القضية.
ولا ينتقص توفير هذه الضمانات من حقوق الضحايا، لأن الحكم الذي يصدر بعد إجراءات قضائية سليمة يكون أكثر قدرة على الصمود أمام النقد القانوني والحقوقي، وأكثر تعبيراً عن دولة تسعى إلى تأسيس مؤسسات تختلف في قواعد عملها عن المؤسسات التي استخدمها نظام الأسد البائد.
وتظهر أهمية ذلك بصورة أكبر عندما تكون العقوبة الصادرة شديدة، فكلما ارتفعت خطورة العقوبة ازدادت الحاجة إلى التدقيق في الأدلة والإجراءات وحقوق الدفاع وطرق الطعن والمراجعة القانونية.
عقوبة الإعدام والجدل الحقوقي
تفتح أحكام الإعدام الصادرة في هذه القضايا باباً متوقعاً للنقاش مع منظمات حقوقية وجهات دولية تعارض هذه العقوبة من حيث المبدأ، بما في ذلك في القضايا المرتبطة بجرائم جسيمة وانتهاكات واسعة.
ولا ينبغي أن يتحول هذا الاختلاف إلى مواجهة بين الدولة السورية وهذه الجهات، فموقف المنظمة الحقوقية الرافض لعقوبة الإعدام لا يعني بالضرورة رفضها محاسبة المسؤولين عن الجرائم، كما أن تأييد مبدأ المحاسبة لا يفرض الاتفاق على طبيعة العقوبة.
ويتيح التعامل الهادئ مع هذه الاعتراضات للدولة السورية التركيز على العناصر الأكثر أهمية في صورتها القانونية، وفي مقدمتها استقلال القضاء، وسلامة الإجراءات، وحقوق الدفاع، وحقوق الضحايا، واستكمال مراحل التقاضي وفق القانون.
وتستطيع سوريا من خلال هذا النهج الحفاظ على حق مؤسساتها القضائية في ممارسة اختصاصها، مع احترام وجود مواقف قانونية وحقوقية دولية مختلفة، وتجنب سجالات قد تنقل الاهتمام من أصل القضية وحقوق الضحايا إلى صراع سياسي حول المواقف الخارجية.
العدالة الانتقالية أوسع من المحاكمات
تشكل المحاسبة القضائية أحد أعمدة العدالة الانتقالية، فيما يمتد هذا المسار إلى ملفات أخرى شديدة التعقيد والحساسية، تشمل الحقيقة والمفقودين والمختفين قسرياً وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
وتحتاج سوريا في ملف الحقيقة إلى عملية واسعة لجمع الوثائق وحماية الأدلة والاستماع إلى الضحايا والناجين وتوثيق أنماط الانتهاكات والمسؤوليات المرتبطة بها، بما يساعد على تكوين سجل وطني يحفظ ذاكرة ما جرى ويمنع إنكار الجرائم أو التلاعب بها مستقبلاً.
ويأتي ملف المفقودين في مقدمة الأولويات، إذ تنتظر آلاف العائلات معلومات حول مصير أبنائها، ويشكل الوصول إلى الحقيقة في هذا الملف أحد أكثر أشكال الإنصاف إلحاحاً، لما يحمله استمرار الغموض من معاناة يومية لأسر لم تعرف طوال سنوات ما إذا كان أبناؤها أحياء أو متوفين أو أين انتهى بهم المصير.
ويحتاج جبر الضرر بدوره إلى رؤية تتعامل مع الآثار المادية والنفسية والاجتماعية للانتهاكات، وتبحث في سبل التعويض ورد الحقوق وإعادة الاعتبار ودعم الناجين والأسر المتضررة، ضمن إمكانات الدولة وأولوياتها.
إصلاح المؤسسات وضمان عدم التكرار
يحدد إصلاح المؤسسات مدى قدرة العدالة الانتقالية على إحداث تغيير طويل الأمد، لأن محاسبة المسؤولين عن جرائم الماضي تفقد جزءاً كبيراً من أثرها إذا بقيت البنى التي سمحت بتلك الجرائم قادرة على إعادة إنتاج الممارسات نفسها.
ويشمل ذلك تطوير القضاء وأجهزة إنفاذ القانون والمؤسسات الأمنية والإدارية، وترسيخ الرقابة والمساءلة، ومنع استخدام أجهزة الدولة لمصلحة أشخاص أو جماعات، وتحديد الصلاحيات بطريقة تمنع تركز السلطة من دون ضوابط.
ويحمل مفهوم ضمان عدم التكرار أهمية مركزية للسوريين، فالمطلوب من معالجة الماضي أن توفر حماية للمستقبل، وأن تنتج مؤسسات تمنع الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري واستخدام القوة خارج القانون، وتتيح للمواطن وسائل فعلية للاعتراض والتقاضي والمحاسبة.
ويصبح نجاح العدالة الانتقالية مرتبطاً، وفق هذا المنظور، بقدرة المواطن السوري مستقبلاً على الشعور بأن حقوقه لا تتوقف على هوية المسؤول الذي يتعامل معه أو موقعه أو نفوذه، وأن الدولة تمتلك آليات تستطيع محاسبة من يتجاوز القانون.
القضاء في مواجهة منطق الثأر
تؤدي العدالة المؤسسية وظيفة شديدة الحساسية في المراحل الانتقالية، فهي تنقل حق المحاسبة من الشارع والجماعات والأفراد إلى القضاء، وتحد من فرص نشوء دوائر انتقام متبادلة يصعب ضبطها لاحقاً.
ويحتاج المجتمع السوري، بعد حجم هائل من الخسائر والانتهاكات، إلى هذا النوع من الحماية، لأن مشاعر الغضب لدى الضحايا والمتضررين مفهومة، غير أن تحويلها إلى أفعال انتقامية سيضيف ضحايا جدداً ويضعف سلطة الدولة ويهدد السلم الأهلي.
ويقدم القضاء طريقاً مختلفاً، يبدأ بالاتهام والتحقيق والأدلة والدفاع وينتهي بالحكم، مع بقاء الإجراءات القانونية اللاحقة وفق وضع كل قضية، وهو المسار الذي يسمح للدولة باحتكار إنفاذ القانون ومنع الاقتصاص الفردي.
وتزداد أهمية هذه المعادلة كلما اتسع نطاق المحاسبة، لأن الهدف في النهاية هو بناء ثقافة عامة ترى المحكمة مكاناً لاستعادة الحقوق، بدلاً من البحث عنها عبر القوة أو النفوذ أو الثأر.
اختبار الاستمرارية والعدالة المتساوية
تواجه العدالة الانتقالية في سوريا اختباراً أساسياً يتعلق بالاستمرارية، إذ سيكون من الضروري أن تتجاوز المحاكمات الأسماء الأكثر شهرة إلى التحقيق المنهجي في مختلف ملفات الانتهاكات وفق الأدلة المتاحة والأولويات القضائية.
وتواجه أيضاً اختبار المساواة، لأن مصداقية المسار ترتبط بقدرة القضاء على تطبيق المعايير نفسها على أي شخص تثبت مسؤوليته عن انتهاك، بعيداً عن موقعه السياسي أو العسكري أو الأمني، وعن علاقته بأي طرف أو مرحلة.
ويمنع الالتزام بهذه القاعدة تحول العدالة الانتقالية إلى أداة لتصفية حسابات سياسية، ويعطي الضحايا والمجتمع رسالة واضحة بأن المعيار المعتمد هو الجريمة والمسؤولية والأدلة.
ويضع ذلك المؤسسات الجديدة أمام مسؤولية كبيرة، فالدولة التي تريد بناء شرعيتها على القانون تحتاج إلى إثبات استقلال مؤسساتها في القضايا الصعبة قبل السهلة، وفي الملفات التي قد تثير خلافاً مجتمعياً أو سياسياً قبل تلك التي تحظى بإجماع واسع.
ما بعد الحكم
تبدأ بعد صدور الأحكام مرحلة لا تقل حساسية عن المحاكمة نفسها، وتتعلق بالوضع القانوني للأحكام وطرق الطعن والمراجعة وتنفيذ ما يصبح واجب التنفيذ منها، إضافة إلى مواصلة التحقيق في الملفات المرتبطة بالانتهاكات وعدم التعامل مع قضية واحدة باعتبارها نهاية لمسار المحاسبة.
وتقع على الإعلام أيضاً مسؤولية في هذه المرحلة، عبر تقديم معلومات قانونية دقيقة حول الأحكام، وعدم وصفها بأنها نهائية أو قطعية قبل تأكيد وضعها من الجهات القضائية المختصة، والفصل بين الخبر القضائي وردود الفعل المجتمعية والسياسية.
ويستطيع الإعلام المساهمة في توسيع النقاش باتجاه القضايا التي تمثل جوهر العدالة الانتقالية، من خلال منح الضحايا والناجين مساحة تحترم كرامتهم، وشرح آليات المحاسبة، ومتابعة ملف المفقودين، وطرح أسئلة جبر الضرر وإصلاح المؤسسات وضمان عدم التكرار.
سوريا أمام فرصة تأسيسية
تمنح المحاكمات الحالية الدولة السورية فرصة لتأسيس علاقة جديدة بين المواطن والمؤسسة العامة، يكون القانون فيها أعلى من الأشخاص والمناصب، ويستطيع فيها الضحية المطالبة بحقه أمام القضاء، ويستطيع المتهم الحصول على حقوقه القانونية، ويخضع المسؤول للمساءلة عندما تثبت الأدلة مسؤوليته.
وتحتاج هذه الفرصة إلى حماية مستمرة، عبر استقلال القضاء، ودقة الإجراءات، ورفض الانتقائية، واحترام قرينة البراءة قبل الإدانة، وضمان حقوق الدفاع، وإبقاء الضحايا وحقوقهم في مركز العملية.
وتكشف الأحكام الصادرة بحق رموز من نظام الأسد البائد بداية اختبار طويل للعدالة السورية، وستتحدد قيمة هذا المسار بقدرته على التحول إلى نهج مؤسساتي مستدام يشمل مختلف ملفات الانتهاكات، ويقدم للسوريين إجابات عن المفقودين، وينصف الضحايا، ويصلح المؤسسات التي ساهمت في الانتهاكات أو عجزت عن منعها.
وتبقى الغاية الأوسع بناء دولة يستطيع السوري أن يثق بأن القانون فيها يحميه من السلطة مثلما يحاسبه عند مخالفته، وأن المنصب لا يوفر حصانة من القضاء، وأن الجريمة لا تتحول إلى إدانة لعائلة أو طائفة أو منطقة، وأن حقوق الضحايا لا تضيع مع تغير الحكومات والظروف السياسية.
وتضع سوريا بهذه المعادلة أساساً ضرورياً للاستقرار والسلم الأهلي، فالدولة التي تستطيع مواجهة إرث الانتهاكات بالقضاء والحقيقة والإنصاف وإصلاح المؤسسات تفتح الطريق أمام مجتمع أكثر قدرة على تجاوز آثار الماضي، وتمنح السوريين فرصة لبناء مستقبل تكون فيه سيادة القانون ضمانة للجميع، وتصبح فيه العدالة حقاً للضحايا ومسؤولية للدولة ومهمة دائمة لمؤسساتها.
