شكّل المؤتمر العشرون العادي لاتحاد مطاحن الدقيق في تركيا (TUSAF)، الذي أُقيم في أنطاليا، أكثر من مجرد تنظيم فخم؛ بل كان قمةً تحدّثت فيها الأرقام، ووضعت المخاطر على الطاولة، ورُسمت الأهداف بوضوح.
بمشاركة 500 شركة وحضور 1200 ضيف محلي وأجنبي، أظهر المؤتمر مرة أخرى قوة القطاع وحجم مسؤوليته.
رئيس TUSAF، محمد مسعود تشاكماك، عرض خلال المؤتمر الصحفي والجلسة العامة الوضع الراهن للقطاع بأرقام واضحة.
العراق تراجع… وسوريا صعدت
أبرز البيانات كانت تتعلق بالسوق العراقية. فقد تراجعت صادرات الدقيق إلى العراق من مستوى 77 ألف طن إلى نحو 8 آلاف طن فقط.
ويُعزى هذا التراجع إلى الخلاف بين حكومة إقليم شمال العراق والحكومة المركزية، إضافة إلى مشاكل التحويلات المالية، وتطبيقات الجمارك، والانكماش الاقتصادي في المنطقة.
في المقابل، سُجل ارتفاع لافت في السوق السورية، حيث ارتفعت الصادرات إلى سوريا من 18 ألف طن إلى نطاق يتراوح بين 55 و65 ألف طن.
هذه الصورة تؤكد أن المخاطر الإقليمية مرتفعة، لكن الصناعي التركي يمتلك قدرة على تغيير اتجاهه في السوق.
سيناريو المحصول: 15–16 مليون أم 20 مليون طن؟
كان موضوع محصول القمح في تركيا من أكثر العناوين حساسية في المؤتمر.
إذا هطلت أمطار الربيع، فمن المتوقع أن يصل المحصول إلى 20 مليون طن، أما إذا لم تهطل فالتوقعات المتحفظة تشير إلى 15–16 مليون طن.
وبحسب مستوى المحصول، سيتحدد توازن الأسعار في السوق الداخلية والقدرة التصديرية. وكما شدد تشاكماك، فإن إدارة المادة الخام لم تعد قضية زراعية فقط، بل باتت تحدد مصير الصناعة مباشرة.
هدف التصدير: 3 ملايين طن
تواصل تركيا منذ سنوات ريادتها العالمية في تصدير الدقيق. لكن الرسالة في المؤتمر كانت واضحة:
الهدف الجديد هو الحفاظ على نطاق تصدير يبلغ 3 ملايين طن وتعزيزه.
ومع إنشاء مصانع جديدة للمعكرونة والدقيق في الدول الإفريقية، تزداد المنافسة، ما يتطلب من تركيا الحفاظ على ميزتها في التكلفة وقوتها اللوجستية.
إذا لم ترفع TMO الأسعار… فلن نرفعها
أُفيد بأن أسعار الدقيق لن ترتفع ما لم يقم مكتب الحبوب التركي (TMO) بزيادة الأسعار.
وأشار الرئيس مسعود تشاكماك إلى أنهم، رغم ارتفاع تكاليف العمالة بنسبة 27%، لن يرفعوا الأسعار ما لم يقم TMO بذلك.
نسبة النخالة في الخبز وتنظيم مكافحة السمنة
من العناوين اللافتة أيضاً هدف زيادة نسبة القمح الكامل في الخبز.
-
النسبة المستهدفة: 40% قمح كامل.
وفي إطار اللائحة التي أعدتها وزارة الزراعة والغابات، يجري تشجيع إنتاج أكثر غنى بالألياف وأكثر صحة ضمن مكافحة السمنة.
موقف القطاع واضح هنا: يجب التوافق مع السياسات الصحية، لكن التطبيق يجب أن يكون واقعياً ومستداماً.
قطاع المعكرونة: تهديد إفريقيا
رئيس جمعية مصنعي المعكرونة التركية، أيكوت غويمن، لفت في كلمته إلى مصانع المعكرونة الجديدة في إفريقيا.
رسالة غويمن كانت واضحة:
كل دولة تحمي منتجها المحلي، وقد ترتفع الجدران الجمركية. قوة تركيا التنافسية تمر عبر الجودة والاستمرارية.
قطاعا المعكرونة والدقيق هما قوتان كبيرتان تعتمد كلتاهما على نفس المادة الخام، لذلك تبقى سياسة القمح حاسمة لكليهما.
“إذا امتلكت المادة الخام… فأنت سيد اللعبة”
أكد غويمن أن القضية الأكثر حساسية للقطاع هي المادة الخام المحلية، قائلاً:
“إذا امتلكت المادة الخام، تصبح أنت سيد اللعبة. يمكنك معالجة المنتج القادم من أرضك وتحويله إلى عملة صعبة.”
كما شدد على أن تركيا تمتلك بنية إنتاج قوية في قمح الديوروم المخصص للمعكرونة، وأن الحفاظ على هذه الميزة ضرورة.
إلى أين يتجه الاقتصاد في 2027؟
الحوار الذي جمع الرئيس الفخري لتوصاف إرها ن أوزمن مع البروفيسور الدكتور هاكان كارا تحت عنوان:
“إلى أين سيقودنا الاقتصاد في 2027؟”
كان من أبرز فقرات المؤتمر.
وقد طُرحت على الطاولة قضايا ارتفاع تكاليف التمويل، وانخفاض القيمة المضافة، والضبابية العالمية.
وأكد البروفيسور كارا نقطة محورية مفادها أن تركيا لن تستطيع الخروج من دوامة التكاليف المرتفعة دون إنتاج التكنولوجيا والقيمة المضافة، وهو تقييم لاقى صدى قوياً في القاعة.
تنظيم قوي… ورسالة واضحة
لم يتمكن وزير الزراعة والغابات إبراهيم يوماكلي من حضور المؤتمر بسبب سوء الأحوال الجوية، إلا أن ممثلي القطاع أكدوا استمرار التنسيق مع الجهات الرسمية.
وأضفت حفلة الفنان محسون كيرمزي غُل في ليلة الغالا، وعرض Dolce Band في الختام، بعداً اجتماعياً للفعالية. لكن الحديث الأهم لم يكن عن الأضواء على المسرح، بل عن الأرقام على المنصة.
الخلاصة: الواجهة جميلة… الأمل موجود لكن المعركة صعبة
أظهر مؤتمر TUSAF العشرون ما يلي:
-
خسارة كبيرة في السوق العراقية
-
تعافٍ في السوق السورية
-
استمرار عدم اليقين بشأن المحصول
-
هدف تصدير عند 3 ملايين طن
-
هدف القمح الكامل 40%
-
تكاليف التمويل ما تزال مرتفعة
لكن في الوقت نفسه، فإن اجتماع 500 شركة و1200 مشارك تحت سقف واحد يعكس صورة قطاع قوي.
يستحق رئيس TUSAF محمد مسعود تشاكماك وفريقه التصفيق من حيث التنظيم،
لكن في المرحلة المقبلة ستحل النتائج محل التصفيق.
لأن المرحلة لم تعد مجرد إنتاج… بل البقاء عبر الاستراتيجية الصحيحة.
دمتم بخير…
عارف كورت / أنطاليا
