USD 0,0000
EUR 0,0000
USD/EUR 0,00
ALTIN 000,00
BİST 0.000

عارف كورت يكتب؛ عقل الدولة في حلب…

عارف كورت يكتب؛ عقل الدولة في حلب…
02-03-2026

كنا الأسبوع الماضي في حلب، إحدى أكبر المدن السورية وأكثرها أهمية استراتيجية…
وبدعوة من Gaziantep Büyükşehir Belediyesi، توجهنا إلى المدينة الشقيقة حلب برفقة وفد بروتوكولي كبير من المسؤولين المعنيين من غازي عنتاب…

قبل الحرب، كانت حلب المدينة الأكثر اكتظاظًا بالسكان في سوريا، وكانت تُعرف بالعاصمة الاقتصادية للبلاد.
وكان عدد سكانها يتجاوز خمسة ملايين نسمة، إلا أن الحرب تسببت في انخفاض كبير في عدد السكان، وتغيّر واضح في بنيتها الديموغرافية نتيجة الدمار وموجات النزوح.

يعود اسم حلب إلى الكلمة العربية “حَلَبَ” التي تعني “حلبَ اللبن”. ووفقًا للروايات، فإن النبي إبراهيم عليه السلام كان يحلب الأغنام في هذه المنطقة ويوزع الحليب على الفقراء، ومن هنا اشتُق اسم “حلب”.

تقع حلب على بُعد نحو 50 كيلومترًا من الحدود التركية، وهي على مفترق طرق تاريخية تربط الأناضول ببلاد الرافدين والبحر الأبيض المتوسط.
وقد خضعت عبر التاريخ لحكم حضارات عديدة، منها الحيثيون، والآشوريون، والفرس، والرومان، والبيزنطيون، والأمويون، والعباسيون، والسلاجقة، والمماليك، والعثمانيون.

وتتمتع حلب بأهمية جيوسياسية كبيرة بالنسبة لنا. فهي تقع في قلب سياسات الأمن على الخط التركي-السوري، وكانت من أبرز نقاط انطلاق موجات الهجرة. كما تُعد مركزًا واعدًا في مجالات الطاقة واللوجستيات والتجارة. وبفضل تاريخها الممتد لأكثر من أربعة آلاف عام، تُعد من أقدم المدن المأهولة في العالم.

خلال العهد العثماني، كانت غازي عنتاب، التي كانت تُعرف آنذاك باسم “عينتاب”، تابعة إداريًا لحلب. وحتى اليوم، توجد عائلات ذات أصول حلبية في غازي عنتاب، وعائلات ذات أصول غازي عنتابية في حلب.

كان الصناعي في حلب يشتري المواد الخام من غازي عنتاب، وكان التاجر الغزي ينفتح على أسواق الشرق الأوسط عبر حلب.
واليوم، وبعد سقوط نظام بشار الأسد، ومع بدء تعافي سوريا وحلب تدريجيًا، تواصل غازي عنتاب — التي تسلمت جزءًا من الدور الاقتصادي لحلب خلال سنوات الحرب — أداء دور مهم كما فعلت دائمًا.

فإذا ما استقرت حلب، ستكون غازي عنتاب من أوائل المدن التي ستتأثر اقتصاديًا بشكل إيجابي. وزيادة صادراتنا إلى سوريا تؤكد ذلك.

بعد اندلاع الحرب الأهلية عام 2011، فضّل معظم القادمين من حلب إلى تركيا الاستقرار في غازي عنتاب بحثًا عن الأمان.
بالنسبة للسوريين، أصبحت غازي عنتاب بمثابة “حلب أخرى”. فاختاروها لقربها الثقافي والاجتماعي والتجاري، ولتشابه العادات والتقاليد، وروابط المصاهرة والعلاقات التجارية التاريخية بين المدينتين.

ومن خلال عمليات درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام، رأينا كيف تم منع تحويل الشريط الحدودي في شمال سوريا إلى ساحة نفوذ للقوى المعادية، خصوصًا في ظل محاولات بعض الأطراف توسيع نفوذها في المنطقة بعد سقوط النظام.
ولو حدث العكس — لا قدر الله — لكانت المخاطر الأمنية على حدودنا مسألة وجودية.

في حلب رجال أشداء…
وفي سوريا إخوة يسيرون مع تركيا بروح الأخوّة، يجمعنا بهم الدين واللغة والقبلة.

وخلال زيارتنا لحلب للمشاركة في برنامج إفطار مع الأيتام، حضرنا أيضًا مراسم توقيع بروتوكول دعم يشمل إنشاء حدائق عامة وتقديم آليات خدمية، بمشاركة رئيسة بلدية غازي عنتاب الكبرى Fatma Şahin ورئيس بلدية شاهين بيه Mehmet Tahmazoğlu.

تابع البرنامج ممثلون عن وسائل إعلام وطنية قدموا من إسطنبول، إلى جانب صحفيين من غازي عنتاب.

وبشكل عام، كانت الزيارة فرصة مهمة للرؤية الميدانية والفهم المباشر، ورغم بعض النواقص البسيطة، كان البرنامج ناجحًا في مجمله.

أعلنت رئيسة البلدية فاطمة شاهين عن إنشاء حديقة بمساحة 150 دونمًا على غرار “غاللي بارك”، على أن تحمل اسم “حديقة رجب طيب أردوغان”، كما تم تقديم خمس حافلات للنقل العام إلى محافظة حلب.

كما أعلن رئيس بلدية شاهين بيه محمد طحماز أوغلو عن إنشاء حديقة بمساحة 230 دونمًا شبيهة بـ“يشيل وادي”، إضافة إلى تقديم خمس شاحنات لجمع النفايات و400 حاوية قمامة هدية لمدينة حلب.

بعد نشر الخبر، وُجّهت انتقادات واسعة لهذه المساعدات.
إذا نظرنا إلى المسألة من زاوية النتائج فقط، قد نتساءل: لماذا تُقدّم هذه الخدمات لحلب؟
أما إذا أخذنا بعين الاعتبار عمق العلاقات والسياق الاستراتيجي، فستتضح قيمة ما يجري.

من لا يدرك عمق سياسة الجمهورية التركية تجاه سوريا والشرق الأوسط، قد يكتفي بالحديث عن الحدائق والحافلات.

خلال وجودي في حلب، تحدثت مع معظم السوريين باللغة التركية، وأجريت مصاريفي بالليرة التركية. وبينما لم أعد أرى صور الأسد كما في السابق، كنت أرى آثارًا عثمانية باقية، وأعلام سوريا الجديدة في كل مكان.

وفي أجواء الأحاديث الودية، شعرت وكأنني في تركيا.

هذه أمور جميلة…

تمرّ سوريا اليوم بمرحلة إعادة إعمار وإعادة هيكلة، وتعيش تركيا — وخصوصًا غازي عنتاب — مرحلة تاريخية مفصلية.
وحجارة الأساس في هذه المرحلة يضعها “عقل الدولة”، بمشاركة بلدياتنا.

هذا لمن يحرّكه عقل غيره…

دمتم بخير،
عارف كورت

افكارك