بحسب خبر الصحفي يلماز بيلغن في صحيفة “تركيا”، فقد دخل إلى القرى التركمانية التي تكافح من أجل البقاء في ظل الأسلحة الإسرائيلية. وفي القرى الواقعة على خط الجولان، حيث تتم عمليات الدخول والخروج تحت إجراءات أمنية مشددة، تقوم قوات نظام الاحتلال الصهيوني بين الحين والآخر بمداهمات، وقطع الطرق، وإقامة نقاط تفتيش.
وروى اليورُك-التركمان الذين يعيشون في قرى عين عائشة، وجويزة، وعين صَوْرة، الواقعة على بعد 1 إلى 5 كيلومترات من النقاط العسكرية الإسرائيلية عند سفوح جبل الشيخ (جبل الشيخ)، الصعوبات التي يواجهونها لصحيفتنا.
ثلاث موجات نزوح خلال ستين عاماً
وأشار حسين إبيش، أحد سكان قرية عين عائشة التركمانية، إلى أنهم تعرضوا لثلاث موجات نزوح مأساوية خلال الستين عاماً الماضية، قائلاً:
“بدأت مأساتنا مع قيام إسرائيل. احتلوا الجولان، وكان أول تهجير لنا إلى دمشق. لكن حافظ الأسد ونظام البعث لم يتعاملا مع التركمان بشكل مختلف عن إسرائيل. بعد احتلال الجولان عام 1967، اضطر اليورُك-التركمان إلى الهجرة غالباً إلى منطقة كدم العسالي في دمشق. إلا أن حافظ الأسد وإدارة البعث لم يكونا راضيين عن ذلك. عانينا هناك من ضغوط شديدة ودمار كبير. ثم فُرض علينا النزوح مرة أخرى. فاستقرينا من جديد على بعد 20-25 كيلومتراً من قرانا التاريخية في الجولان التي يعود عمرها لمئات السنين. وأطلقنا على القرى التي أسسناها أسماء قرانا الواقعة تحت الاحتلال اليهودي، وكنا نواسي أنفسنا بحلم العودة إلى بيوتنا. لكن إسرائيل جاءت الآن إلى هنا أيضاً. ينزلون إلى الطريق الذي يمر داخل قريتنا ويقيمون نقاط تفتيش. يضايقون المدنيين بحجج مختلفة ويحتجزون بعض الأشخاص بتهمة ‘الإرهاب’”.
الشوق إلى العلم ذو الهلال والنجمة
وقال حسين حاج خليل (73 عاماً)، أحد تركمان الجولان، إن التركمان استقروا في المنطقة لأول مرة خلال عهد المماليك:
“لم ننسَ أبداً عادات اليورُك وثقافتهم ولغتهم. نتحدث التركية دائماً في بيوتنا. للأسف، ما زالت بنادق النظام الصهيوني موجهة إلينا. نعيش نوعاً من الاحتلال. الثورة التي حدثت في دمشق أثارت حماسنا جميعاً، وانتهى كابوس البعث والأسد. لكننا الآن نواجه مرة أخرى تهديداً إسرائيلياً فعلياً. إسرائيل تريد أن تعوّدنا على احتلال جديد، من خلال إبقائنا تحت مراقبة غير مباشرة لفترة (كما في الضفة الغربية والجولان ورام الله وغزة)، ثم ابتلاعنا بالكامل لاحقاً. نعلم أنهم سيفعلون ذلك عاجلاً أم آجلاً. لم نخضع للصهيونية ولن نصبح تابعين لها. سندافع عن أراضينا قدر استطاعتنا، لكن إذا اضطررنا سنرغب بالذهاب إلى تركيا دون البحث عن وطن جديد داخل سوريا. وإذا كان لنا أيام نعيشها بعد اليوم، فنريد أن تكون تحت راية الهلال والنجمة”.
سقطت الدولة العثمانية فدُمّرنا
وبدأ رضوان حقي إبراهيم (85 عاماً)، أحد أكبر سكان القرية سناً، حديثه قائلاً: “المجازر والنزوح قدرنا”. وأضاف:
“سقطت الدولة العثمانية وتدمر العالم الإسلامي. كانت إسرائيل عدواً ظاهراً، بينما كان البعث عدواً خفياً دمّر حياتنا. لم يثق حافظ الأسد وبشار الأسد باليورُك-التركمان أبداً، لأننا بالنسبة لهم كنا العثمانيين. تعرضنا دائماً للاضطهاد، ولم يُسمح لنا بالعمل في الوظائف الرسمية. ومع ذلك، عندما عرضت علينا إسرائيل البقاء عند خروجنا من الجولان (في 1973 و1980)، رفضنا لأننا كنا نعلم أن العيش تحت راية الصهيونية مذلة. الدروز لم يغادروا، وكثير منهم شغل مناصب عليا في الجيش والاقتصاد والإدارة المدنية الإسرائيلية. لكن حافظ الأسد عاقبنا بسبب موقفنا هذا. ومنذ عام 1967، شاركنا في الصفوف الأمامية في كل حرب ضد إسرائيل. وحتى في هذا العمر، إذا أُعلنت الحرب غداً، فسأقاتل من أجل ديني ووطني، وكذلك أبناؤنا. لكننا نشعر بالحسرة عندما نرى أحياناً جنوداً عرباً بين القوات الإسرائيلية التي تنزل إلى قرانا. هؤلاء الذين يخدمون جلادهم يجرحون مشاعرنا”.
عدد التركمان وصل إلى 300 ألف
وكان خالد عثمان إبراهيم (76 عاماً) من بين من تحدثوا إلينا، وذلك على وقع أصوات الطائرات الحربية الإسرائيلية التي تحلق فوقنا. وقال:
“تركيا دولة تمنح الثقة للأصدقاء وتثير الخوف لدى الأعداء بكل معنى الكلمة. تنزل إسرائيل نحو الساعة الواحدة ليلاً إلى الطريق داخل القرية لاستعراض قوتها. لكننا نعلم أن أحد أسباب عدم تعرضهم لنا حتى الآن هو خوفهم من حدوث مشاكل مع تركيا. لا نختلف عن إخواننا العرب هنا، فنحن نتشارك نفس الجغرافيا والدين والمصير. تفصلنا عن جبل الشيخ مسافة 1.5 إلى 2 كيلومتر فقط، وهو تحت الاحتلال الإسرائيلي بالكامل. تركيا تقف بكل إمكاناتها إلى جانب الإدارة السورية الجديدة، ولولا ذلك لكانت إسرائيل استخدمت أساليب أكثر وحشية. إنهم يخشون تركيا، وكلما ازدادت قوة تركيا ازداد شعورنا بالجرأة. أصبح أردوغان مصدر أمل لكل مظلوم، ونحن نفتخر بتركيا التي أصبحت من أكثر دول العالم احتراماً تحت قيادته. في الجولان آلاف الدونمات من الأراضي المسجلة باسم الأتراك. نطلب من تركيا المساعدة لنقل هذه القضية إلى الساحة الدولية. هناك آلاف المنازل والمزارع وأماكن العمل، وهي أراضٍ وممتلكات ورثناها منذ العهد العثماني وهي حق لنا كحليب أمهاتنا. وقد تجاوز عدد تركمان الجولان الآن 300 ألف. تعالوا ندافع عن حقوقنا معاً”.
يحافظ أتراك الجولان على لهجة اليورُك الصافية، إلا أنهم لا يملكون فرصة لممارسة الزراعة في المناطق التي لجؤوا إليها، كما لا تتوفر لديهم إمكانات لتربية المواشي، ما يجعلهم يخوضون صراعاً صعباً من أجل البقاء. وقد علمنا ببدء جهود على مستوى “تيكا” والسفارة التركية في دمشق والمؤسسات المدنية لإيصال المساعدات الرسمية والخاصة القادمة من تركيا.
