
نعيش ونحن نغضّ الطرف عن أمور نُقنع أنفسنا بأنها "قد تكون خيراً"، بينما في الحقيقة لا نفهمها تماماً، بل ولن نفهمها أبداً.
المخالفات الأخلاقية التي نُسقطها من حساباتنا ونُسكت عنها، تتحول مع الوقت إلى شيء طبيعي. فإذا قام بها غيرنا قلنا "حرام"، وإذا فعلناها نحن اعتبرناها "مباحاً"، فنظن أننا نخدع أنفسنا والآخرين.
لكن الحقيقة أن القيم الأخلاقية المبنية على المبادئ تتآكل وتنهار تدريجياً مع المجتمع.
نحن في زمن صار فيه الحكم على "المباح – الحرام" يتشكل بحسب الأشخاص والمواقف. والانهيار الأخلاقي يتواصل بسرعة لم تعد تزعج أحداً.
ما يُبنى بلا مبادئ ولا قيم ولا جهد، على أساس "المهم أن نربح"، هو أول ما ينهار عندما يُخسر. يجب أن لا ننسى ذلك.
لقد تعلمنا قيمة عظيمة: أن تمشي وحيداً مدافعاً عن قضيتك وإيمانك بشرف، خير لك من أن تسير مع جموع بلا هوية ولا شخصية. أن تواصل الطريق بلا تنازل عن الأخلاق والقيم.
لكن لم يعد الأمر كذلك…
الزنا جريمة، وقد حرّمه الدين.
تعلمون أن في إيران هناك ما يُسمى "زواج المتعة". يظهرونه وكأنه مشروع، ليُخرجوا الزنا من دائرة الحرام. فكيف يمكن تفسير هذا أخلاقياً وشرعياً؟
هل هو حرام؟ نعم… حتى في إيران هو حرام! لكن بمجرد أن يُسمى "متعة" يصبح فجأة مباحاً.
الحمد لله أننا لا نعرفه!..
المسألة هنا تمثيلية. فهل يمكن للحرام أن يصبح مباحاً؟
رئيس الإرهابيين "أوجلان"… في إمرالي، حيث يجري الحديث معه من أجل "تركيا بلا إرهاب"، وتُنشر أفكاره أمام الرأي العام، وهو مؤسس التنظيم الإرهابي…
كان اسمه في الماضي لا يُذكر حتى، أما اليوم فحين يُقال "القائد آبو" هل يسقط الحرام عنه ليصبح مباحاً؟
نعم، من المهم جداً أن تسير تركيا نحو مستقبل بلا إرهاب. أن لا يموت الناس، أن لا تبكي الأمهات، أن لا يُهمّش أحد بسبب قوميته أو أصله أو دينه. هل هناك من يعترض؟ لا.
لكن في زمن مضى، كان أي استهزاء بالنشيد الوطني أو إساءة لقيم الدولة والأمة يُعتبر إثماً، ويُحاسَب فاعله أمام القضاء.
أما اليوم، فصار نفس السلوك يُبرَّر بأنه "فترة مختلفة"، ويُعتبر أمراً مباحاً. يجب أن نُحسن الظن، نعم، ولكن لا ينبغي أن نسمح أن يُقدَّم الأمر كضعف أو تهاون.
إنه زمن صعب نمرّ به. مشروع كـ"القميص المحترق": تركيا بلا إرهاب.
لكن علينا أن لا ننسى أن أعظم قوة نملكها هي إرادتنا.
ما هو حرام علينا جميعاً، لا ينبغي أن يُعتبر مباحاً لغيرنا.
وما هو حرام على أحد، لا ينبغي أن يكون مباحاً لآخر.
الحرام والمباح لا يتغيران بحسب هوية الفاعلين أو مناصبهم.
مؤخراً، أخي أومت يلماز رئيس بلدية شهيد كامل، ترك حزب الشعب الجمهوري (CHP) وانضم إلى حزب العدالة والتنمية (AK Parti).
كان هناك من يقول عن أفعاله "مباح" وهو في CHP، فلما انتقل إلى AK Parti صاروا يصفونها بـ"الحرام"!
هذا هو عينُ انعدام المبدأ الذي أقصده!
حزب العدالة والتنمية قدّم بلاغاً بحق أومت يلماز حول بعض الادعاءات. القضاء قرر عدم المتابعة.
صواب أو خطأ، هذا أمر لا أعلمه.
لكن ما رأيته هو التالي: الذين قالوا "لن نسمح أن يُؤذى" عندما رُفع البلاغ، عادوا يقولون نفس العبارة بعد انتقاله إلى AK Parti.
إن المبادئ والقيم الأخلاقية ضائعة في هذه المدينة منذ زمن.
والأخلاق تقف وحيدة…
تتأرجح بين المباح والحرام.
بقلم : Arif Kurt