من ينظر إلى منطقة القرن الأفريقي من الخارج، وبمنظور سطحي، سيرى على الخريطة مجرد الفقر والصراعات العشائرية المحلية والأزمات الحدودية التي لا تنتهي. لكن أولئك الذين يدركون عمق الجغرافيا السياسية، ويقرأون التاريخ، ويتعاملون مع القضايا بعقلية «الدولة»، يدركون جيداً أن ما يجري اليوم في إثيوبيا والسودان والصومال وعلى امتداد البحر الأحمر ليس مجرد صراعات داخلية محلية. فنحن أمام «حرب بالوكالة» واسعة النطاق، تقف خلفها الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، وتهدف إلى قطع شريان التجارة العالمية، واستخدام مياه النيل كسلاح، ومحاصرة العالم الإسلامي من الجنوب.
لقد بدأ الصدع الهائل في إثيوبيا، الذي بدا لفترة وكأنه دخل في حالة من السكون، بالانفجار مجدداً مع عودة جبهة تيغراي إلى الواجهة. فبعد المعارك الدموية التي شهدتها البلاد بين عامي 2020 و2022، والتي كان يُعتقد أنها أضعفت جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF)، لم تعد الجبهة تكتفي بالدفاع عن حدودها، بل بدأت تتحرك باتجاه منطقتي عفر وأمهرة بصورة استراتيجية. ولا يتمثل الهدف النهائي لهذا التحرك العسكري في مجرد المطالبة بحكم ذاتي محدود، بل يتمثل أساساً في عودة العقل السياسي لتيغراي، الذي حكم إثيوبيا بقبضة حديدية من العاصمة أديس أبابا في مرحلة سابقة، إلى السلطة مجدداً عبر إسقاط رئيس الوزراء أبي أحمد المنحدر من قومية الأورومو.
أحلام الوصول إلى البحر الأحمر والسد الذي تقيمه إريتريا
إن قراءة القضية من زاوية الديناميات الداخلية لإثيوبيا وحدها ستقودنا إلى خطأ كبير. فالجانب الإقليمي للحرب هو العنصر الأساسي الذي يثير شهية القوى العالمية.
وترى حكومة رئيس الوزراء أبي أحمد أن عدم امتلاك إثيوبيا، التي يقترب عدد سكانها من 150 مليون نسمة، منفذاً إلى البحر يمثل أزمة وجودية بالنسبة إليها. وقد أدت رغبة إثيوبيا في الوصول إلى البحر الأحمر، والتهديدات التي وجهتها إلى دول الجوار لتحقيق هذا الهدف، إلى قلب جميع التوازنات في المنطقة.
وتُعد إريتريا بلا شك واحدة من أهم الأطراف في هذه المعادلة. فبعد سنوات طويلة من الحروب الدموية مع إثيوبيا، ثم توقيع اتفاق سلام اعتبره البعض هشاً ومصطنعاً، لا تريد أسمرة اليوم حكومة إثيوبية قوية وتوسعية تقف على عتبتها وتسعى بكل الوسائل إلى الوصول إلى البحر الأحمر.
وتدرك القيادة الإريترية جيداً أن إثيوبيا، إذا تمكنت من الوصول إلى البحر، وأنشأت قوة بحرية، وأقامت تحالفات عسكرية مع قوى خارجية مثل إسرائيل والإمارات، ستتحول إلى التهديد الأول المباشر لسيادة إريتريا.
سيناريو تقسيم السودان وتحالفات الوكلاء
لقد دفعت طموحات إثيوبيا المتعلقة بـ«البحر والهيمنة» بها إلى الدخول في تحالفات شديدة الخطورة والقذارة في المنطقة.
فحكومة أبي أحمد، التي تجاهلت وحدة الأراضي الصومالية ووقعت اتفاقات مع منطقة أرض الصومال الانفصالية، تسدد في الوقت نفسه طعنة مسمومة إلى السودان الذي يعيش منذ أكثر من ثلاث سنوات في جحيم الحرب الأهلية.
ومن هو الوكيل الرئيسي للإمارات في المنطقة، التي تسعى إلى تفكيك بنية الدولة السودانية، وتصفية الجيش النظامي، وتسليم البلاد إلى أمراء الحرب؟ إنه، بطبيعة الحال، قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، التي ارتبط اسمها بجرائم الحرب والنهب والمجازر.
وقدمت الحكومة الإثيوبية، بدعم مالي ولوجستي من الإمارات، دعماً واضحاً لهذا التشكيل شبه العسكري. وهكذا دخلت حكومة أبي أحمد طوعاً في هذه الدائرة القاتلة التي تستهدف الجيش السوداني والدولة السودانية.
ولم تكتفِ إثيوبيا بدعم حميدتي، بل قدمت أيضاً دعماً لوجستياً وسياسياً لقوات عبد العزيز الحلو، بهدف فتح جبهة ثانية أمام الجيش السوداني من الجنوب، الأمر الذي زاد من تعقيد الفوضى في السودان وحولها إلى عقدة دموية أكثر خطورة.
العقل الصهيوني في الميدان: حصار إسرائيل للنيل والبحر الأحمر
لا يمكن استكمال تحليل هذه الصورة القاتمة من دون رؤية المهندس الرئيسي لهذا المخطط، أو ما يمكن وصفه بـ«العقل المدبر» وراء المشهد.
فإسرائيل، التي ارتكبت في غزة إبادة جماعية غير مسبوقة، وقتلت أطفالاً ورضعاً، وأصبحت أكثر عزلة على الساحة الدولية، تحاول العثور على مخرج لها في منطقة القرن الأفريقي.
إن الدعم الحاسم الذي تقدمه إسرائيل لحكومة أبي أحمد في إثيوبيا لا يمكن تفسيره فقط من خلال الروابط العاطفية أو الديموغرافية المرتبطة بيهود الفلاشا من أصول إثيوبية.
فالهدف الحقيقي للنظام الصهيوني يتمثل في محاصرة العالم الإسلامي، ومصر على وجه الخصوص، من الجنوب.
ويأتي الدعم التكنولوجي والدبلوماسي الذي قدمته إسرائيل لإثيوبيا في بناء سد النهضة الإثيوبي، الذي يمتلك القدرة على التأثير في تدفقات مياه النيل التي تمثل شريان الحياة لمصر، ضمن استراتيجية تهدف إلى إبقاء القاهرة تحت تهديد دائم بأزمة مائية.
وفي الوقت نفسه، تسعى إسرائيل إلى السيطرة على باب المندب، بوصفه بوابة البحر الأحمر، كما تتحرك بالتعاون مع إثيوبيا في مشروع أرض الصومال الانفصالية، في خطوة تستهدف بشكل مباشر وحدة الأراضي الصومالية وهويتها الوطنية والإسلامية.
دوران العجلة: تراجع محور الإمارات وإسرائيل وتبدل موازين القوى
لكن الحسابات الموضوعة على الورق لا تتطابق دائماً مع الواقع، والمخططات الإمبريالية التي تُرسم خلف الطاولات تصطدم بحقيقة المقاومة على الأرض.
واليوم بدأت الرياح في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر تهب في الاتجاه المعاكس.
ففي السودان، بدأت قوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات وإثيوبيا تتلقى ضربات قوية أمام الجيش السوداني. كما أن التقدم الاستراتيجي الذي حققه الجيش السوداني خلال الفترة الأخيرة، وطرد قوات حميدتي من مناطق شمال كردفان، يشكلان أوضح مؤشر على أن هذا التشكيل الوكيل بدأ يُدفع نحو الزاوية.
وفي الوقت الذي تتراجع فيه التشكيلات شبه العسكرية في الجنوب، تجد حكومة أبي أحمد نفسها محاصرة داخلياً، مع عودة قوات تيغراي إلى النشاط وتحقيقها تقدماً باتجاه عفر وأمهرة، الأمر الذي يضيّق الخناق تدريجياً على الحكومة الإثيوبية.
إن انزلاق إثيوبيا، الدولة العملاقة التي يبلغ عدد سكانها نحو 150 مليون نسمة، نحو عدم الاستقرار، واحتمال خسارة أبي أحمد، الذي يستند إلى محور الإمارات وإسرائيل، للسلطة، لن يؤدي إلى زلزال سياسي في أديس أبابا فحسب، بل سيترك تداعيات واسعة في مختلف أنحاء أفريقيا.
وسيؤدي ذلك إلى إعادة تشكيل موازين القوى والتحالفات بصورة شاملة في تلك المساحة الجغرافية الهائلة الممتدة من ليبيا إلى إثيوبيا، ومن الصومال إلى كينيا.
الخلاصة
في رقعة الشطرنج الدامية هذه، بدأت هوية أكبر الخاسرين بالظهور تدريجياً.
فالإمارات العربية المتحدة، التي تراجعت استراتيجياً في حروب الوكالة في اليمن ولم تتمكن من الصمود أمام الحوثيين وتكبدت خسارة كبيرة في نفوذها وسمعتها، وإسرائيل التي توصف بأنها المهندس الخفي لهذا المحور، تراقبان اليوم انهيار النظام شبه العسكري الذي أقامتهما في جبهتي السودان وإثيوبيا.
إن أي حكومة تعجز عن تحقيق التماسك الداخلي، وتعتدي على وحدة أراضي جيرانها، كما في الصومال، أو على مصادر حياتهم، كما في حالة مصر والسودان، وتتحول إلى أداة بيد القوى الإمبريالية والصهيونية، لن تكون أمامها فرصة حقيقية للاستمرار.
وبالنسبة إلى تركيا، فإن موقفها الثابت القائم على مبدأ «حلول أفريقية للمشكلات الأفريقية»، ودفاعها عن وحدة الأراضي الصومالية، ووقوفها إلى جانب عقل الدولة الشرعية في السودان، وإعطاء الأولوية لأمن البحر الأحمر، يثبت اليوم، مرة أخرى، مدى أهميته وصوابيته في ضوء التطورات الميدانية.
إن مخطط الصهيونية وشركائها الإمبرياليين لمحاصرة أفريقيا من الجنوب، محكوم عليه بأن يتحطم أمام مقاومة شعوب المنطقة.