التقييم والنتيجة – هندسة الأمن الإقليمي والمعادلة الجديدة في الشرق الأوسط

Güngör Yavuzaslan

1 gün önce

إن الجولة الدبلوماسية التي يجريها وزير الخارجية التركي السيد هاكان فيدان، والتي تشمل ليبيا ومصر وتتقدم بوتيرة متسارعة، لا تقتصر على تعزيز العلاقات بين الدول وتطويرها، بل تعني أيضاً بناء نظام جيوسياسي جديد يمتد من شمال أفريقيا إلى الخليج. وفي هذا الجزء الختامي من سلسلتنا، نقيم التأثيرات النهائية للمكاسب المتحققة على الأمن الإقليمي والاقتصاد والقضية الفلسطينية.

من حروب الوكالة إلى الاستقرار المشترك: الوجه المتغير لليبيا

كما تناولنا بالتفصيل في الأجزاء السابقة، كانت أنقرة خلال فترة الأزمة تقيم بشكل أساسي علاقة أحادية الجانب مع السلطات الشرعية المتمركزة في طرابلس، في حين كانت الإدارة المصرية على اتصال وثيق مع الأطراف الموجودة في شرق ليبيا. أما اليوم، فقد تجاوزت تركيا نموذج العلاقة الأحادية الذي اتبعته في الماضي، وأصبحت تقيم اتصالات مباشرة مع كل من طرابلس وبنغازي، وقادرة على جمع طرفي البلاد إلى طاولة واحدة.

وهكذا، فإن سياسة «ليبيا واحدة» التي دافعت عنها تركيا بلا هوادة منذ الأيام الأولى للأزمة بدأت تجد انعكاسها على أرض الواقع. وفي إطار الرؤية التي طرحها رئيس الجمهورية التركية، أصبحت تركيا، من خلال إشراك مختلف الأطراف الإقليمية في العملية، لاعباً محورياً مطلقاً في تحقيق التوازن داخل ليبيا ودعم قيام دولة ليبية موحدة.

ولكي يتم تنفيذ اتفاقية تحديد مناطق الصلاحية البحرية بين تركيا وليبيا الموقعة عام 2019 بشكل كامل، لا بد من الحصول على موافقة رسمية من مجلس النواب في شرق ليبيا، القريب من خليفة حفتر. وفي حال الحصول على هذه الموافقة، ستحصل تركيا وليبيا على أفضلية استراتيجية كبيرة وثابتة في مواجهة خط الحصار الذي تحاول اليونان وقبرص الجنوبية وإسرائيل تشكيله في شرق المتوسط.

مبادرة R4 ومظلة الأمن المؤسسية

تُعد اتفاقية الدفاع المشترك في مكة، التي وقعتها تركيا والسعودية وباكستان في 7 أغسطس/آب، نقطة تحول تاريخية في بنية الأمن الإقليمي. كما أن زيارة وزير الخارجية فيدان إلى القاهرة جعلت احتمال انضمام مصر إلى هذه الآلية، في إطار مبادرة R4، أكثر واقعية ووضوحاً.

إن انضمام مصر إلى اتفاقية مكة سيمنحها ثقلاً جيوسياسياً أكبر بكثير مقارنة بالتركيبة الثلاثية الحالية. فتركيا والسعودية وباكستان تمثل بالفعل ثلاثة عناصر قوة استراتيجية متكاملة؛ إذ تمتلك تركيا صناعة دفاعية تتطور باستمرار وقدرات عسكرية راسخة، بينما تمتلك باكستان قوة ردع نووية، في حين تتمتع السعودية بقوة اقتصادية هائلة.

أما انضمام مصر، التي تمتلك واحداً من أقوى الجيوش في العالم العربي وتسيطر على قناة السويس، فسيمنح هذا التحالف دوراً محورياً بين شمال أفريقيا والشرق الأوسط، فضلاً عن الميزة الجغرافية الفريدة التي توفرها مصر عند نقطة التقاء شرق البحر المتوسط بالبحر الأحمر.

ومن شأن هذا التكامل أن يشكل خطاً أمنياً متواصلاً يمتد من باكستان إلى الخليج العربي، ومنه إلى السعودية والبحر الأحمر ومصر، وصولاً إلى تركيا. وستعمل هذه البنية على حماية طرق التجارة البحرية الأكثر حساسية في العالم، كما ستستهدف تعزيز التعاون العسكري العميق، من خلال جمع وزراء الخارجية والدفاع، والتعاون في مجالات الدفاع الجوي والأنظمة غير المأهولة وتبادل التكنولوجيا والبنية التحتية اللوجستية المشتركة.

اختلال المعادلة في شرق المتوسط والأهداف الاقتصادية

خلال سنوات الأزمة، كانت مصر قد أسست مع اليونان وقبرص الجنوبية وإسرائيل منتدى غاز شرق المتوسط، في محاولة لعزل تركيا عن منظومة الطاقة الإقليمية. إلا أن توجه القاهرة اليوم نحو آلية دفاع جماعية مع تركيا يمثل تحولاً يقلب الكثير من المعادلات السابقة.

ومن غير المتوقع أن تتخلى القاهرة بالكامل عن علاقاتها مع أثينا أو نيقوسيا، إلا أن من الواضح أن ديناميكيات التكتلات الصلبة التي شكلت شرق المتوسط خلال العقد الماضي بدأت تتفكك تدريجياً.

كما أن الأساس الذي وفرته اتفاقية التجارة الحرة، التي لم تنقطع حتى في أكثر مراحل الأزمة السياسية حدة، يتيح اتخاذ خطوات في مجالات الهيدروكربونات والتعدين وربط شبكات الكهرباء، في إطار هدف رفع حجم التجارة الثنائية إلى 15 مليار دولار، الأمر الذي من شأنه أن يتوج هذا الانتصار الدبلوماسي.

موقف مشترك من أجل غزة

من أهم الانعكاسات المحتملة للتقارب التركي المصري أيضاً تشكيل موقف مشترك تجاه القضية الفلسطينية:

إن القرب الجغرافي لمصر وسيطرتها على معبر رفح يجعلانها طرفاً لا غنى عنه في أي آليات محتملة سيتم تأسيسها بعد الحرب. في حين تبقي تركيا قنوات الاتصال مفتوحة مع جميع الفصائل الفلسطينية، بما فيها حركة حماس، فإن السعودية، بما تمتلكه من موارد مالية وثقل سياسي، ستؤدي دوراً رئيسياً في إعادة إعمار غزة. إن هذه الآلية الواسعة، التي تشمل باكستان أيضاً، يمكن أن تتيح للدول الإسلامية الانتقال من مجرد الإدانات الدبلوماسية إلى إقامة تنسيق فعلي في مجالي الأمن وإعادة الإعمار. كما أن انتقاد الوزير فيدان بشدة في القاهرة لسياسات بنيامين نتنياهو وفريقه، وإعلانه أن هذه السياسات تحولت إلى مشكلة أمنية تهم المجتمع الدولي بأسره، قد حدد بوضوح موقف هذا التحالف. التقييم النهائي

إن النظر إلى الزيارتين المتتاليتين اللتين قام بهما وزير الخارجية هاكان فيدان إلى ليبيا ثم مصر باعتبارهما مسارين دبلوماسيين منفصلين تماماً، من شأنه أن يبسط المشهد بصورة مفرطة.

فالتحركات الحازمة التي بدأ الوزير فيدان بتنفيذها منذ توليه منصب وكيل جهاز الاستخبارات الوطنية التركية، ثم نقلها إلى الساحة خلال فترة توليه وزارة الخارجية، أثبتت مرة أخرى أن تركيا أصبحت لاعباً رئيسياً في الأزمات الإقليمية.

وتعمل أنقرة، بالتوازي مع جهودها لتحقيق الاستقرار في ليبيا، على تأكيد دعمها لسيادة السودان ووحدة أراضيه، لتطرح بذلك رؤية تمتد على مساحة جغرافية واسعة.

وبطبيعة الحال، فإن اندماج مصر الكامل في اتفاقية مكة سيواجه عدداً من العقبات المهمة. فالعلاقات العسكرية التاريخية بين القاهرة والولايات المتحدة، ومعاهدة السلام القائمة بين مصر وإسرائيل، إضافة إلى التوازنات الخليجية، ستدفع القاهرة إلى إجراء حسابات استراتيجية معقدة قبل الانضمام إلى أي منظومة دفاع جماعي جديدة.

كما أن هذا المسار لن يعتمد فقط على إرادة أنقرة والقاهرة، بل سيتوقف أيضاً على مواقف السعودية وباكستان، وعلى آليات صنع القرار داخل الاتفاقية.

لكن، رغم كل هذه التحديات، إذا نجحت أنقرة في دمج القاهرة ضمن هذه المظلة الأمنية الآخذة في التوسع، فإن نواة دائمة للتعاون الأمني المؤسسي الذي افتقده العالم الإسلامي لعقود قد تتشكل أخيراً.

إن هذا الترابط الاستراتيجي الهائل من شأنه أن يساهم في تحقيق سلام دائم في ليبيا، وتحويل موازين القوى في شرق البحر المتوسط بصورة حاسمة لصالحنا، وأن يشكل «التحالف الإنساني» أقوى درع في مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية، ولا سيما في غزة، وفي مختلف أنحاء المنطقة.

YAZARIN DİĞER YAZILARI