غونغور يافوز أصلان : أن تكون «الرأس» في تقاليد الدولة التركية: النظام الدستوري وقا?

Güngör Yavuzaslan

9 saat önce

إن العروض السياسية السطحية التي يقدمها بعض الذين لا يدركون عقل الدولة التركية، ولا تقاليد تنظيم الدولة الراسخة التي تمتد لآلاف السنين، ولا حقيقة وجود الدولة، تحت قبة الجمعية الوطنية التركية الكبرى، لم تعد تثير دهشتنا للأسف.

فعندما حضر رئيس الجمهورية التركية إلى الجلسة العامة بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية الجديدة للجمعية الوطنية التركية الكبرى في 1 أكتوبر/تشرين الأول 2026، فإن عقلية المعارضة الهامشية التي لم تقف احتراماً له وغادرت قاعة البرلمان، لم تدِر ظهرها في الواقع لشخص السيد رجب طيب أردوغان فحسب، بل أدارت ظهرها مباشرة للدولة التركية والنظام الدستوري والإرادة الديمقراطية للشعب.

فالدولة ليست مجرد آلية جامدة تتكون من مبانٍ رسمية وإجراءات بيروقراطية. الدولة هي ذاكرة تشكلت عبر قرون، وثمن دُفع بالدم، وقبل كل شيء هي «رأس» مقدس يحافظ على تماسك الأمة. وفي التصور الحضاري التركي، لا يمكن أن يكون هناك جسد بلا رأس. فالرأس هو الدولة، والرأس هو مقام تمثيل الأمة.

وفي هذا السياق، فإن النص التحذيري الذي كتبه السيد محمد أوتشوم، كبير مستشاري رئيس الجمهورية، رداً على ما قام به بعض نواب المعارضة خلال افتتاح الدورة التشريعية الجديدة للجمعية الوطنية التركية الكبرى، وما وصفه بعدم الاحترام تجاه المؤسسة، يسلط الضوء بصورة مباشرة على جوهر المسألة من الناحيتين الدستورية والنظامية.

والنقاط التي أوردها أوتشوم في تحذيره لا تتعلق بمجرد سجالات سياسية يومية، وإنما تتناول، بحسب طرحه، القواعد الأساسية لسير عمل الدولة.

عادات الوصاية وحقائق النظام الجديد

لا تزال بعض الأوساط في تركيا، بحسب الكاتب، غير قادرة على التخلص من العادات التي خلفها النظام البرلماني السابق، والذي يصفه بأنه كان ينتج الأزمات ويضع رئيس الجمهورية في موقع احتفالي وسلبي يقتصر على الإشراف.

لكن مع الانتقال إلى النظام الرئاسي للحكم، تغيرت بنية الدولة، وعادت، وفقاً للنص، إلى مسارها الأساسي بقرار مباشر من الشعب.

وفي النظام الجديد، لم يُعرّف رئيس الجمهورية على أنه «رأس الدولة» فحسب، بل مُنح دستورياً أيضاً صفة «رئيس الدولة».

وتنص المادة 104 من الدستور، بحسب الكاتب، على أن السلطة التنفيذية تعود مباشرة إلى رئيس الجمهورية. كما يمثل رئيس الجمهورية، بصفته رئيس الدولة، الجمهورية التركية ووحدة الأمة التركية.

ولا يقتصر دوره، كما كان الحال في السابق، على مراقبة عمل المؤسسات، بل تقع عليه مسؤولية ضمان تطبيق الدستور وضمان عمل أجهزة الدولة بصورة منتظمة ومنسجمة.

وبالتالي، فإن الأمر لا يتعلق بشخصية رمزية، وإنما بمسؤولية دستورية وصلاحيات تنفيذية ومهمة كبيرة تقع على عاتق أعلى سلطة في الدولة. كما أن الكلمة التي يلقيها رئيس الجمهورية في اليوم الأول من كل دورة تشريعية أمام الجمعية الوطنية التركية الكبرى تأتي، وفق النص، في إطار هذه المهمة الدستورية.

«إخضاع الدولة لإرادة الشعب»

ومن أبرز النقاط التي يركز عليها تحليل أوتشوم أن رئيس الجمهورية هو في الوقت نفسه رئيس «الجمهور» أو الشعب، ورئيس الدولة.

ويرى الكاتب أن هذا الأمر أدى إلى نوع من الاندماج بين الإرادة الشعبية ومؤسسات الدولة، بحيث أصبحت «إرادة الشعب مهيمنة على الدولة».

وبحسب النص، فإن الشخص الذي يحصل على أكثر من 50 بالمئة من الأصوات وينتخب بإرادة مباشرة من الشعب، لا يعود مجرد قائد لحركة سياسية، وإنما يصبح، وفق تعبير الكاتب، «قائد البلاد».

ويضيف أن الأمر لا يتعلق بالرئيس رجب طيب أردوغان وحده، بل إن أي شخص سيُنتخب لهذا المنصب بعده سيتحمل، إلى جانب صلاحياته كرئيس للسلطة التنفيذية، مسؤولية تمثيل الجمهورية التركية وما يترتب عليها من مسؤوليات باعتباره رئيساً للبلاد.

وفي ظل هذه الرؤية، يعتبر الكاتب أن التصرف الذي شهدته جلسة افتتاح الدورة التشريعية تجاه رئيس الدولة لا يمكن اعتباره مجرد احتجاج سياسي أو موقف ديمقراطي.

ويشير إلى أن المعارضة الديمقراطية يجب أن تتم ضمن الحدود الدستورية والقانونية، وأن المطالبة بتعديل القوانين والدستور القائم أمر مشروع في الحياة السياسية، إلا أن رفض الاعتراف بالدستور النافذ والمؤسسات التي ينص عليها، أو برئيس الدولة المنتخب بأكثر من 50 بالمئة من أصوات الناخبين، يعتبره الكاتب أمراً غير مشروع.

منصب القائد الأعلى وحساسية الأمن الوطني

ويرى الكاتب أن المسألة لا تتوقف عند الجانب السياسي، بل تمتد أيضاً إلى الأمن الوطني وما يسميه «قضية بقاء الدولة»، معتبراً أن على كل من يمارس السياسة في تركيا أن يدرك هذه المسألة.

وبحسب النص، فإن رئيس الجمهورية هو الجهة التي تحدد سياسات الأمن القومي، وتمثل القيادة العامة للقوات المسلحة نيابة عن الجمعية الوطنية التركية الكبرى، وتمتلك صلاحية اتخاذ قرار استخدام القوات المسلحة التركية، وفقاً للمواد الدستورية المشار إليها في المقال.

وفي ظل ما يصفه الكاتب بالتوترات الأمنية المحيطة بتركيا، من الشرق الأوسط إلى القوقاز، يرى أن عدم إظهار الاحترام لمنصب القائد الأعلى للقوات المسلحة لا يمثل، من وجهة نظره، عدم احترام لشخص واحد فقط، بل يمتد إلى المؤسسة العسكرية وإلى قوة الردع التركية.

ويعتبر أن هذا المنصب يمثل الإرادة المشتركة للجنود الأتراك العاملين خارج الحدود، والطائرات الحربية الوطنية في الأجواء، والقوات البحرية في ما يُعرف بـ«الوطن الأزرق».

احترام الدولة والمستقبل

ويخلص الكاتب إلى أن الاحترام الذي ينبغي إظهاره لرئيس الجمهورية داخل الجمعية الوطنية التركية الكبرى لا ينبغي أن يتحول إلى مادة مرتبطة بالسجالات السياسية اليومية أو الخلافات الحزبية أو المواقف الأيديولوجية.

ويرى أن مسألة الاحترام يجب أن تُقرأ من زاوية «السير العام للدولة»، ويشير، استناداً إلى طرح أوتشوم، إلى عدة مستويات لهذا الاحترام:

أولاً، احترام الإرادة العامة للشعب، أي الإرادة الوطنية.

ثانياً، احترام الإرادة الديمقراطية للشعب وخيارات الناخبين.

ثالثاً، احترام الدولة ذاتها ووجودها التاريخي.

رابعاً، احترام جميع رؤساء الجمهورية التركية الذين سيتولون هذا المنصب مستقبلاً، بغض النظر عن التيار السياسي الذي ينتمون إليه.

خامساً، احترام العقد الاجتماعي الذي يجمع المواطنين، أي الالتزام بالنظام الدستوري.

ويؤكد الكاتب في ختام مقاله أن لكل مواطن ونائب برلماني الحق في توجيه أشد الانتقادات، إلا أنه يرى أن احترام المكانة القانونية لرئيس الدولة التي حددها الدستور، وإظهار الحد الأدنى من اللباقة تجاه منصب رئيس الدولة مهما بلغت حدة المعارضة السياسية، يمثلان، بحسب رأيه، واجباً أساسياً يترتب على المواطنة وعلى عضوية الجمعية الوطنية التركية الكبرى.

ويختتم الكاتب بالقول إن من لا يلتزم بهذا الحد الأدنى من الوعي بالدولة والأمة لن يتمكن من الانتقاص من مكانة المنصب، وإنما سيترك، وفق تعبيره، أثراً سلبياً في صفحات التاريخ. ويؤكد أن «عقل الدولة» أكبر من هذه التصرفات، وأن الدولة تسجل مثل هذه المواقف، وسيصدر الحكم عليها، بحسب الكاتب، في ضمير الشعب.

YAZARIN DİĞER YAZILARI